ابن ميثم البحراني
430
شرح نهج البلاغة
شجو وتوصّلهم بذلك إلى أغراضهم وإن كانوا لأهل الشجو أعداء . وقوله : يتقارضون الثناء ويتراقبون الجزاء . أي يثنى أحدهم على الآخر ليثنى الآخر عليه ، ويترقّب كلّ منهم الجزاء من صاحبه على ثنائه . وقوله : إن سألوا ألحفوا . أي ألحّوا في السؤال وهو من المذامّ كما قال تعالى « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » ( 1 ) . وقوله : وإن عذلوا كشفوا . أي إذا عذلك أحدهم كشف لك عيوبك في ذلك العذل وجبّهك بها وربّما ذكرها بمحضر من لا تحبّ ذكرها معه وليسوا كالناصحين الَّذين يعرضون بالذنب عند العتاب تعريضا لطيفا دون التصريح ، وإذا حكموا أسرفوا : أي إذا ولَّى أحدهم ولاية أسرف فيها بالظلم والانهماك في مأكله ومشربه وعبر في قينات الدنيا إلى حدّ الإفراط من فضيلة العدل . وذلك لجهله بالعواقب وتصوّره أن لا غاية أشرف ممّا هو فيه ، قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا : أي من الشبه يموّهون عليه ويغطَّونه بها ، ولكلّ حيّ قاتلا : أي سببا يميتونه به . والحيّ أعمّ من الإنسان هنا بل كلّ أمر يحيى ويقوم إذا أرادوا فساده ، ولكلّ باب مفتاحا من الحيل والخديعة ولفظ المفتاح مستعار ، ولكلّ ليل مصباحا ولفظ الليل مستعار لما أشكل من الأمور وأظلم . وكذلك لفظ المصباح للرأي الَّذي يدخلون به في ذلك الأمر ويهتدون إلى وجهه به كرأي عمرو بن العاص على معاوية ليلة الهرير برفع المصاحف ودعوتهم أهل العراق أن يحاكموهم إلى كتاب اللَّه فلم يكن لذلك المشكل إلَّا ذلك الرأي الصعب ، ويتوصّلون إلى الطمع باليأس : أي بإظهار اليأس عمّا في أيدي الناس والزهد فيه كما يفعله كثير من زهّاد الوقت . ووصفهم بأخذ الشيء بضدّه أبلغ ما يكون في وصف النفاق والحيلة . وقوله : ليقيموا به أسواقهم .
--> ( 1 ) 2 - 274 .